banner

الأبعاد المعنوية للوضوء

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ( المائدة:6

 

كم مرة سمعنا هذه الأية؟ وكم مرة قرأناها؟ ولعلنا نعرف من خلالها الحكم الفقهي لعملية الوضوء ولكن هل توقفنا قليلاً وفكرنا لماذا نقوم بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين؟

لعل هذه الجوارح الأربعة ( الوجه, اليدين, الرأس والرجلين) مقارنة مع الجوارح الأخرى تعد من أنظف المواضع في الجسد ولكن مع ذلك امرنا بالقيام بعملية الوضوء على هذه الجوارح الأربعة خصوصاً.

الجواب عن هذا الإستفسار نجده في الحديث الوارد عن الإمام الرضا عليه السلام, قال عليه السلام: ” لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما وجب فيه الوضوء, وذلك انه بوجه يستقبل ويسجد ويخضع, وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل ( الدعاء المصحوب بالتوسل الشديد) وبرأسه يستقبل في ركوعه وسجوده وبرجليه يقوم ويقعد”  ( بحار الأنوار ج:77 ص:234)

وإذا علمنا ان لهذه الأفعال الظاهرية التي نقوم بها ابعاداً باطنية تربطنا بالله عزوجل فإنه لا بد من التركيز والتدبر بأدق تفاصيل هذه العبادات ولذلك أكد أهل البيت عليهم السلام على مسألة التدبر بالوضوء ونقلت لنا الكثير من الأذكار عنهم عليهم السلام.

فأمير المؤمنين عليه السلام  كان عندما يضع الماء في يده  يقول: ” بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابيين واجعلني من المتطهرين”  وفي هذا الذكر ربط بين وضع الماء باليد والتوبة ! امير المؤمنين عليه السلام يريد ان يقول لك عندما تقع عينك على الماء عليك ان تفهم ان هناك ماء اخر للتطهير وهو ماء التوبة ” اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين” بماء التوبة.

ثم كان عندما يضع الماء على وجهه يقول عليه السلام : ” اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه”

كلما وضعت الماء على وجهك في بداية الوضوء تذكر حالة الناس يوم القيامة حين تسود وجوه البعض الذين تاهوا عن جادة الحق الذين خالفوا تعاليم الله وتعاليم رسوله صلى الله عليه واله فأسأل الله عزوجل ان يثبتك على الحق خصوصا في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واصبح من الصعب تمييز الحسن من القبيح او العالم من الجاهل او الصديق من العدو في هذا العصر عليك كلما وقفت للوضوء ان تذكر هذا الدعاء ” اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه” ولا شك ان نور الوجه وبياضه يكتسب بكثرة  الصلاة على محمد وال محمد

ثم كان عليه السلام يصب الماء على يده اليمنى ويقول: ” اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري وحاسبني حساباً يسيراً”  ثم يضع الماء في يده اليسرى ويقول: ” اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران”

وعندما يمسح رأسه الشريف كان يقول: ” اللهم غشني برحمتك وبركاتك” وعند مسح القدمين كان يقول: ” اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام وأجعل سعي فيما يرضيك عني”

بهذه العملية تكون قد جمعت بين البعد الظاهري والباطني للوضوء, ولا تأخذ العملية وقتاً كثيراً.

يقول الإمام الصادق عليه السلام: إذا اردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله فإن الله تعالى قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته ودالاً الى بساط خدمته وكما ان رحمته تطهر ذنوب العباد ( من النجاسة المعنوية) فكذلك النجاسات الظاهرة ( النجاسة المادية) يطهرها الماء لا غير.

قال عزوجل { وجعلنا من الماء كل شيء حي} وكما علمنا هناك بعد مادي ومعنوي, فالله احيا بالماء الحياة من الناحية المادية وبالماء التي هي الرحمة الالهية احيا العباد من الناحية المعنوية ايضاً.

عندما تنظر الى الماء تفكر في صفائه ورقته وطهوره واعلم انه من خلال هذا التفكر سيكون هناك تأثير على روحك. صفاء الماء يصفي الروح, وطهارة الماء تتطهر الروح, ورقة الماء تجعل الروح رقيقة للترتفع إلى ملكوت الإله وتنفتح امام الأسرار الإلهية.

ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعتك كصفوة الماء حين انزله من السماء وسماه طهوراً ( انظر الى الماء كم هي صافية هكذا يجب ان تكون علاقتك مع الله بمثل هذا الصفاء)

مستحبات الوضوء:

هناك مستحبات للوضوء غير ما ذكرناه من ادعية الأئمة عليهم السلام ومنها

1 التسمية عند وضع اليد في الماء او صبه على اليد واقلها ان تقول ( بسم الله) والأفضل ( بسم الله الرحمن الرحيم) والأفضل الذكر الذي اوردنا عن امير المؤمنين (ع) ( بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابيين واجعلني من المتطهرين)

قال الإمام الصادق عليه السلام ” من توضأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده ( يعني من الناحية المعنوية والمادية) وكان الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما اصابه الماء (يعني فقط من الناحية المادية يطهر) (ثواب الأعمال ص:15

2 ثانياً يستحب الإغتراف باليد اليمنى ولو لليمنى, وذلك بأن يأخذ الماء باليد اليمنى ثم يضع الماء باليد اليسرى ويغسل اليد اليمنى

3 المضمضة والإستنشاق كل منهما ثلاث مرات بثلاث اكف, وتكفي المرة الواحدة.

قال رسول الله (ص): ليبالغ احدكم في المضمضة والإستنشاق فإنه غفران لكم ومنفرة للشيطان” ( ثواب الأعمال ص:17

 4 فتح العينين حال غسل الوجه. قال رسول الله ” افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم”

5 قراءة اية الكرسي بعد الإنتهاء من الوضوء

مكروهات الوضوء:

1 الإستعانة بالغير في مقدمات الوضوء مثل ان يصب الماء شخص اخر في يدك فهذا مكروه اما في نفس الغسل فلا يجوز

2 التمندل ( المسح بالمنديل) بل مطلق مسح البلل بعد الوضوء مكروه. قال الإمام الصادق عليه السلام ” من توضأ وتمندل كتبت له حسنة ومن توضأ ولم يتمندل حتى يجف وضوؤه كتب له ثلاثون حسنة” (ثواب الأعمال ص:17

فوائد الوضوء:

1 اطالة العمر. قال رسول الله (ص) لأنس : ” يا انس اكثر من الطهور يزيد الله في عمرك, وإن استطعت ان تكون بالليل والنهار على طهارة فأفعل, فإنك تكون إذا مت على طهارة شهيداً” ( مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي ص:40)

2 محو السيئات:  روي عن رسول الله (ص) انه قال لأحد السائلين: ” إذا ضربت يدك في الماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم تناثرت الذنوب التي اكتسبتها يداك, فإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب التي اكتسبتها عيناك بنظهرهما وفوك بلفظه.

فإذا غسلت ذراعيك تناثت الذنوب عن يمينك وشمالك. فإذا مسحت رأسك وقدميك تتاثرت الذنوب التي مشيت اليها على قدميك فهذا لك في وضوئك” (وسائل الشيعة ج:1 ص:276

يعني عندما تلتفت الى الأبعاد المعنوية للوضوء تحصل على كل هذا الأثر من خلال هذه العملية البسيطة التي تقوم بها.

3 ينور القلب

قال امامنا الصادق عليه السلام ” الوضوء على الوضوء نور على نور” (وسائل الشيعة ج:1 ص: 264)

قصة فيها عبرة:

 

قيل لوالدة الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله. إن ولدك بلغ درجة عالية من العلم والتقوى, واصبح زعيم الطائفة الشيعية دون منازع.

فقالت: لا عجب في ذلك فقد كنت اتمنى له درجة اعلى من ذلك. لأنني ما قمت بإرضاعه إلا وانا على وضوء. حتى في تلك الليالي والأيام القارسة كنت اقوم واتحمل البرد واتوضأ ثم اقوم بإرضاعه. فكيف لا يصبح الشيخ الأعظم؟

انهي برواية جداً جميلة ذكرها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في كتابه ثواب الأعمال ص:16 عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه قال: ” من توضأ مثل وضوئي وقال مثل قولي خلق الله عزوجل من كل قطرة ( من كل قطرة من ماء الوضوء) ملكاً ( من الملائكة) يقدسه ويسبحه ويكبره ( اي ان هذا الملك يقدس وبسبح ويكبر لله عزوجل) ويكتب الله تعال له ( اي للمتوضئ) ثواب ذلك ( ثواب تقديس وتسبيح وتكبير المك) إلى يوم القيامة ( اي ان هذا الملك الذي يخلق من كل قطرة من قطرات وضوء المؤمن الملتفت إلى الأبعاد الباطنية للوضوء, هذا الملك يبقى في حالة التقديس والتسبيح والتكبير من الساعة التي يخلق فيها عند الوضوء إلى يوم القيامة, ويكتب اجر ذلك للمتوضئ)

اللهم اجعلنا من التوابيين واجعلنا من المتطهرين


About shnami