banner

الموت ريحانة المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم والعن اعدائهم

  تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } الملك:2

فطرة الموت

الله عزوجل خلق الحياة وخلق الموت كما خلق الإنسان فكلنا خلق الله، الإنسان يعيش في هذه الدنيا ومهما طال عمره سوف يموت. هذه حقيقة يعرفها كل الناس ( الإنسان الديني يعرفها، الإنسان المادي يعرفها، الإنسان الغير ملتزم يعرفها وهكذا….) لو سألت اي انسان هل ستموت يوماً ما؟ سيجاوبك نعم!

لا يتمكن إنسان ما حتى ولو كان نبياً ان يهرب من الموت، لا يمكن لإنسان ما ان يختبئ من الموت يقول الله عزوجل  { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (النساء:78)

هذه حقيقة نعرفها جميعاً ولكننا نغفل عنها وننساها بل وفي كثير من الأحيان لو ذٌ’كرنا فيها لقلنا ” لا داعي لذكر الموت الأن! – مع انك تعلم كما اعلم ان الموت يمكن ان يكون قريباً جداً منك! هل اضمن الأن ان انتهي من كلامي هذا قبل ان اموت؟ هل اضمن ان انزل عن المنبر قبل ان اموت؟ هل اضمن ان ابقى حياً لوقت الصلاة ؟ هل اضمن ان اعود إلى المنزل قبل ان اموت؟  من يستطيع ان يقول نعم اضمن ذلك؟ لا احد

سأل النبي صلى الله عليه واله احد اصحابه عن حقيقة إيمانه فقال له: “ما خطوت خطوة إلا ظننت اني لا اتبعها اخرى” – عندما ارفع رجلي لأخطو خطوة اقول ربما هذه تكون اخر خطوة في حياتي ولا استطيع ان اخطو الخطوة الثانية قبل الموت-

نحن ننسى او نتناسى الموت مع انه ربما الكفن الذي سوف يشترى لنا عند موتنا قد انتهى الخياط من صناعته الان، وربما التابوت الذي سوف نحمل فيه قد انتهى النجار من صنعه الان وسيوضع جانباً حتى تأتي ساعة الموت

ولكن الحياة تبعد هذه الفكرة عن عقل الإنسان، واقعاً لو إستمرت فكرة الموت معنا في كل خطوة لأمتنعنا عن القيام بالكثير من المحرمات والأخطاء. لذلك النبي صلى الله عليه واله يوصينا ” اذكروا هادم اللّذّات، ومنغّص الشهوات، وداعي الشتات، اذكروا مفرّق الجماعات، ومباعد الأمنيّات، ومدنّي المنيّات، والمؤذن بالبين والشتات” ( ميزان الحكمة ج:4 ص:2964) لأن ذكر الموت يبعد الإنسان عن الكثير من الأخطاء والمعاصي

 فالإنسان الذي يفكر في الموت، والإنسان الذي يفكر انه في اي لحظة سوف يموت هذا إنسان عاقل مؤمن ومن لا يذكر ذلك فليس بعاقل ولا بمؤمن. جاء بعض الأصحاب إلى رسول الله صلى الله عليه واله وقاموا بمدح رجل ما حول إيمانه وفضله، فقال صلى الله عليه واله: ” كيف ذكر صاحبكم للموت؟  قالوا. ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت، قال: ” فان صاحبكم ليس هنالك” ( جامع السعدات 3|40) ( يعني هذا الذي لا يذكر الموت ولا يذكركم بالموت ليس بالإنسان المكتمل الإيمان

الخوف مما لا نعلم

الإنسان بطبعه يخاف ويحذر مما لا يعلم، والموت من الأمور التي لم نجربها قبل فلا نعرف كيف تخرج الروح كيف ترجع الروح إلى القبر كيف يكون حالنا في القبر؟ …. هذه امور لم نجربها!  والإنسان لا يحب ان يترك مكاناً إعتاد عليه فجأة ( بحيث لو انك تكسن في بيت جميل وكبير واتت الحكومة وقالت لك اخرج الان من المنزل واترك كل شي خلفك! لن تكون مرتاحاً وخصوصاً إذا لم تكن تعرف اين تذهب

 نحن يمكننا من خلال القرأن ومن خلال روايات النبي الأعظم واله الأكارم صلوات الله عليهم اجمعين ان نعرف كيف تخرج الروح وكيف ترجع وكيف يكون حالنا في القبر ونستطيع ان نستعد لتكل اللحظة حتى لا يكون الأمر صعباً علينا.

 المشكلة انهم علمونا ان الموت إذا جاء خاف الإنسان وخروج روحه تكون اصعب من سلخ جسده وانه يوضع في القبر ويأتي الملكان ويضرباه على رأسه واحداث اشباه بأفلام الرعب …. واقعاً إذا إنسان ما إعتقد بهذه الأشياء فمن الطبيعي ان يهرب من الموت ولا يحبه ويخاف منه

تقول لي هناك ايات وروايات تتكلم عن عذاب الميت وصعوبة الموت! هذا صحيح ولكن في نفس الوقت هناك ايات وروايات تتكلم عن جمال وسهولة الموت، فلماذا تريد ان تأخذ بفيلم الرعب وتترك الفيلم الثاني؟ ان صح التعبير

هناك نوعان من الناس عند الموت ” كافر ومؤمن” ولكل منهما حال واحوال تختلف عن الأخر

موت الكافر

موت الكافر المعاند (اي الذي يعرف الحقيقة ولا يتبعها)  الذي لا يؤمن بالله ومن ينصب العداء إتجاه رسول او إمام لا شك ان ميتته ميتة صعبة. قال تعالى { َكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (محمد:27) هذا كل إنسان يموت هكذا؟ كلا  في سورة الأنفال اية:50 يقول الله { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

لذلك عندما يرى الميت الكافر هذا ماذا يقول؟ { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون} ( المؤمنون 99-100

موت المؤمن

اما ميتة المؤمن الذي يؤمن بالله وبرسوله واهل بيته صلوات الله عليهم مختلفة جداً. اولاً إذا جاء ملك الموت لأخذ روحه يسلم عليه قال تعالى  في سورة النحل: 32 ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

طبعاً ملك الموت لا ينزل بنفسه لكل إنسان ويقبض روحه ( ينزل على الأنبياء والأولياء) ولكن بشكل عام هناك ملائكة يعملون في القسم المختص لملك الموت ينزلون على المؤمن ويسلمون عليه ويظهرون بصورة جميلة.

الملائكة تأتي وتسلم على الإنسان المؤمن المحتضر وتجلس قربه بصورة جميلة وتخرج روح المؤمن بكل سهولة ( لا عذاب، لا ضرب، ولا شيء) قال رسول الله صلى الله عليه واله: “إن أشد شيعتنا لنا حبا يكون خروج نفسه كشرب أحدكم في يوم الصيف الماء البارد الذي ينتفع به القلوب” ( بحار الأنوار ج:6 ص: 162) ( يعني خروج روح المؤمن تكون مثل شربة الماء

بعد ان تسلم الملائكة على المؤمن تبشره بالجنان عن رسول الله صلى الله عليه واله قال : ” أول ما يبشر به المؤمن روح وريحان وجنة نعيم، وأول ما يبشر به المؤمن أن يقال له: أبشر ولي الله برضاه والجنة ! قدمت خير مقدم، قد غفر الله لمن شيعك، واستجاب لمن استغفر لك، وقبل من شهد لك” ( ميزان الحكمة ج:4 ص: 2961

ولو دققنا في ذلك النداء الذي ينطلق للإنسان المؤمن عند خروج روحه لشعرنا بروعة وجمال تلك اللحظة ولإشتقنا إليها واقعاً. الله عز ذكره يقول { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} ( سورة الفجر 27-30

طمأنينة، رضا، فرح، سرور هكذا هو موت المؤمن!  ( وهذا ليس كلامي وانما كلام الله وكلام النبي واهل بيته صلوات الله عليهم) وانظر إلى هذه الأحاديث القصيرة ولكن الجميلة لرسول الله صلى الله عليه واله عن الموت

الموت ريحانة المؤمن

تحفة المؤمن الموت

الموت غنيمة

الموت كفارة لكل مسلم

الإنسان المؤمن يفرح عندما يقترب من الموت بل يتوق إليه ويتمناه خصوصاً إذا كان هذا الموت هو في سبيل الرسالة ولذلك ورد انه في ليلة العاشر وعند إقتراب سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه واصحابه للموت  اشرقت الوانهم وهدئت نفوسهم وكانوا في راحة تامة. وقال لهم سيد الشهداء عليه السلام: ” صبرا بني الكرام ! فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟

هذا اسلوب المؤمن الذي يعيش الإسلام في داخله لا يخاف من الموت ” فمن خاف من الموت خاف من نفسه” وهكذا يربي المؤمن اولاده ان لا يخافوا من الموت. وما اجمل كلمة علي الأكبر عليه السلام لأبيه الحسين صلوات الله عليه عندما قال له ” يا ابت السنا على الحق” ( هل نحن ما نقف من اجله وندافع عنه هو الحق؟) فقال الحسين عليه السلام ” بلى والذي إليه مرجع العباد” ( نعم ما ندافع عنه هو الحق، لأننا ندافع عن ديننا، لأننا ندافع عن اعراضنا، لأننا ندافع عن امتنا، لأننا ندافع عن ارضنا فنحن على حق) فقال له علي الأكبر ” إذا لا نبالي اوقعنا على الموت او وقع الموت علينا” ( نحن إن كنا على حق فلا نخاف سواء نحن اقتربنا من الموت او اقترب الموت إلينا)

هذا القائد العظيم ربى قائداً، وهذا الشهيد الكبير ربى شهيداً …. هكذا كان الحسين وعلي الأكبر صلوات الله عليهما

الموت بالنسبة للمؤمن هو امر جميل  لا مرعب يتوق إليه ويتمناه الإنسان الحركي وهو صعب على الكافر المعاند. قيل للإمام الصادق عليه السلام  صف لنا الموت ؟ فقال

 (الموت) للمؤمن كأطيب ريح يشمه ، فينعس بطيبه ، وينقطع التعب والألم كله ، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب ،او اشد

قيل : فإن قوماً يقولون : أنَّه أشدًّ ممن نشر بالمناشير ، وقرض بالمقاريض ، ورضخ بالاحجار ، وتدوير قطب الأرحية في الأحداق قال (عليه السلام) : « كذلك هو على بعض الكافرين والفاجرين ، ألا ترون منهم من يعافي تلك الشدائد ؟ فذلكم الذي هو أشد من هذا ، وهوأشد من عذاب الدنيا

قيل له : فما لنا نرى كافراً يسهل عليه النزع فينطفي وهويتحدث ويضحك ويتكلم ، وفي المؤمنين أيضاً من يكون كذلك ، وفي المؤمنين والكافرين من يقاسي عند سكرات الموت هذه الشدائد ؟ فقال (عليه السلام) : « ما كان من راحة المؤمنِ هناك فهو عاجل ثوابه ، وما كان من شدة فتمحيصه من ذنوبه ، ليرد الاخرة نقياَ نظيفاً مستحقاً لثواب الأبد لا مانع له دونه

وما كان من سهولة على الكافر ، فليوفى أجر حسناته في الدنيا ، وليرد الآخرة – وليس له إلاّ ما يوجب عليه العذاب ، وما كان من شدة هناك على الكافر ، فهوابتداء عقاب الله له بعد نفاد حسناته ، ذلكم بأن الله عدل لا يجور

الجزع يزول برؤية ملك الموت

من الطبيعي ان الإنسان يحدث شيء في قلبه عند حضور الملائكة لأنه شيء جديد عليه وقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام هل يُكره المؤمن على قبض روحه؟ قال عليه السلام : “لا والله، إنّه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا وليّ الله لا تجزع، فوالّذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنا أبرّ بك وأشفَق عليك من والد رحيم لو حضرك.  افتح عينك فانظر، قال: ويمثل له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ذريّتهم عليهم السلام، فيقال له: هذا رسول الله و… رفقاؤك… فما شيء أحبّ إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي ”  (الكافي ج:3 ص:128

طبعاً الإنسان يحزن ويبكي ويشتاق عند فقد عزيز عليه وهذا امر طبيعي ولكن في نفس الوقت نحن نقول هنيئاً للإنسان المؤمن الذي يموت في حالة الإيمان ومبارك للذين تشرق الوانهم عند إقتراب عروج ارواحهم الطاهرة.

ونحن كل ما نسأل الله عزوجل هو ان نعيش في خط اهل البيت عليهم السلام، ان نعمل ونتحرك لرفع رايتهم وإعلاء كلمتهم وان نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا

ننهي بهذه الرواية التي وردت عند الفريقين وان شاء الله فيها بشرى لكم جميعاً حتى لا نخاف من الموت

 قال رسول الله (ص): من مات على حب آل محمد مات شهيداً

ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له

ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً

ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان

ألا ومن مات على حب آل محمد بشَّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير

ألا ومن مات على حب آل محمد يزفُّ إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها

ألا ومن مات على حب آل محمد فتح الله له بابين من الجنة

ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره ملائكة الرحمة

ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة

ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيسٌ من رحمة الله تعالى . ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً

ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة

للإستماع إلى المحاضرة


About shnami