banner

اخلاقية التعامل مع المشككين في بعض تفاصيل مظلومية السيدة الزهراء عليها السلام

اخلاقية التعامل مع المشككين في بعض تفاصيل مظلومية السيدة الزهراء عليها السلام

 

النقطة الأولى: ما هو الهدف الذي نرجوه من تحركنا؟

النقطة الثانية: نظرة سريعة للمناهج الموجودة في واقعنا الشيعي

النقطة الثالثة: ما هو المنهج الذي نقوم بإتباعه؟

النقطة الرابعة: المنهجية في مواجهة المشككين

النقطة الأولى: ما هو الهدف الذي نرجوه من تحركنا؟

الهدف الأساسي الذي يجب ان يكون في عقل وقلب كل مؤمن هو الدعوة إلى سبيل الله سبحانه وتعالى، الدعوة إلى عبادة الله عز اسمه كما اراد والدعوة إلى صراطه المستقيم. هذه الدعوة نطلبها في كل يوم لأنفسنا اولاً فنقول {إهدنا الصراط المستقيم} نبدأ بأنفسنا ومن ثم ندعو الأخرين للإستقامة في العبادة

 فالمسألة ليست ان نعبد الله كما نريد وإنما ان نعبد الله كما اراد سبحانه ان يعبد!  ولذلك بعد الدعوة بالإستقامة  قال تعالى { غير المغضوب عليهم ولا الضالين} هؤلاء يعبدون الله ولكن المغضوب عليهم (الذين هم اسوأ واحط من الضالين) يتبعون غير الحق مع معرفتهم به، قال تعالى { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} (النحل/83

هدفنا الأساسي هو ايصال انفسنا وإيصال مجتمعنا وامتنا إلى الصراط المستقيم، وهذا هو هدف الأنبياء والأولياء والعلماء. ولذلك إذا دققنا في القرأن الكريم نجد ان الله سبحانه وتعالى يقول { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجتنبوا الطاغوت} (النحل:36) فالأنبياء (عليهم السلام) بعثوا لهداية الناس إلى الصراط المستقيم، حيث يتولى المؤمن الله سبحانه وتعالى من خلال عبادته وإتباع اوامره، ثم تكمل الأية لبيان الشرط الأخر للإستقامة وهو التبري من اعداء الله عزاسمه {واجتنبوا الطاغوت.

فيظهر لنا كنتيجة من خلال النقطة الأولى ان الهدف الذي نرجوه من تحركنا هو الدعوة إلى الصراط المستقيم،  وان الله سبحانه وتعالى ارسل رسله من اجل تثقيف الناس حول الولاية لله والبراءة من اعدائه { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجتنبوا الطاغوت}

فهناك حكمة ربانية من تكريس البراءة وارتباطها بالتولي ليمثلان معاً جناحي الصراط المستقيم. فمن خلال التولي والتبري يبنى المنهج الإسلامي الصحيح

النقطة الثانية: نظرة سريعة للمناهج الموجودة في واقعنا الشيعي

تعددت وكثرت المناهج الموجودة في واقعنا الشيعي، فكنا بالأمس القريب نستيطع ان نقسم المناهج إلى قسمين “منهج وحدوي” و “منهج برائي”  ولكن اليوم انبثق من كل منهج الف منهج، ومن كل مجموعة الف مجموعة  ” وكل يدَّعي وصلاً بليلى” . ولعلنا نستيطع القول ان كل هذه المجموعات تؤمن بالولاية والبراءة، ولكن الكلام ليس في الجانب النظري وإنما في الجانب العملي من خلال ملاحظة المنهج المتبع من قبل كل جهة

إذا ما نظرنا إلى (المناهج الوحدوية) نجد انهم يركزون على الوحدة بين المسلمين (وهذا امرٌ حسن)، إلا ان البعض منهم لا يلتفت كثيراً إلى البراءة من اعداء الله سبحانه وتعالى في منهجه  العملي (وليس النظري

 وإذا ما اردنا ان نحصر الكلام في قضية السيدة الزهراء (عليها السلام) حيث ان قضيتها (عليها السلام) هي محور الولاية والبراءة، نرى ان ما من جهة شيعية إلا وتؤمن بمظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) وإن إختلف البعض في تفاصيل المظلومية

اصحاب المنهج الوحدوي يقولون نحن نؤمن بالولاية والبراءة ولكن في منهجنا العملي نلتزم بتعاليم اهل البيت (عليهم السلام) حيث ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال ” صلُّوا في عشائرهم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدوا حقوقهم، فإنَّ الرّجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع النّاس، قيل هذا شيعي، فيسّرني ذلك، اتقوا اللّه، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً”  (بحار الأنوار، ج:78، باب:29، ص:372، رواية:1

ومع ذلك نرى ان البعض من اصحاب المنهج الوحدوي مع مراعته للظروف والحيثيات وإهتمامه بموضوع الوحدة إلا انه يحرص على إقامة مجالس سنوية لإستشهاد السيدة الزهراء ( عليها السلام).

ونحن بعيداً عن الأسماء التي شككت في بعض التفاصيل في مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) نقول تعالوا لدراسة اسباب وصول البعض إلى التشكيك فالذي شكك ما قام إلا بإتباع الأصول العلمية والأدوات الفكرية، فنحن لسنا امام شخص يشكك وإنما امام منظومة فكرية قد توصل اخرين إلى التشكيك او الرفض.

ولذلك نرى عدم صواب الرد من خلال إطلاق التهم او الشتائم وإنما لا بد ان يكون الرد علمياً بعيداً عن العواطف والأهواء وإعتماداً على الأدلة، وعليه لا نقبل او نؤيد الهجوم على احد وإنما نقول لا بد لنا من فهم منهجية الأخر لكي نتمكن من التواصل معه ومحاورته بطريقة علمية {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (سباء: 24

اما إذا نظرنا إلى (المناهج البرائية) نجد ان البعض يركز على البراءة وفي كثير من الأحيان لا يلتفت إلى الولاية ولا إلى مفهموم التقية او الأوضاع المحيطة بالأمة بشكل عام. ويستدلون على منهجهم بأخبار عديدة وردت في كتبنا

وشاهدنا في الأونة الأخيرة نشوء بعض الجهات التي تتبع المنج البرائي ولكن بأسلوب مهين وتستخدم كل الكلمات النابية والخارجة عن سياق الأدب، وهذا مما لا شك فيه يخالف تعاليم اهل البيت (عليهم السلام) ولا يصمد امام البحث العلمي.

هذا بشكل مختصر نظرة موجزة حول المنهاج الموجودة

النقطة الثالثة: ما هو المنهج الذي نقوم بإتباعه؟

نلاحظ ان كل جهة تستطيع ان تدافع عن منهجها من خلال ايات وروايات عديدة، فمنهج الوحدة لديه مجموعة كبيرة من الأخبار الدالة على ضرورة التواصل والعيش المشترك مع الأخر، كما ان منهج البراءة لديه مجموعة كبيرة من الأخبار التي تصرح بلعن اعداء اهل البيت (عليهم السلام). من ينظر إلى الأخبار يرى التناقض بينها! فكيف نحل هذا التناقض؟  فربما حل التناقض قد يوصلنا إلى معرفة كيفية التعامل مع الذين يشككون في بعض تفاصيل مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام

نحن نرى ان بعض المناهج الوحدوية هي مناهج مبتورة وكذلك الحال مع بعض المناهج البرائية، حيث لا يصح ان يكون المنهج مبنياً على الوحدة فقط، فلا بد للوحدة من شروط ولا بد من ان نفرق بين الوحدة التي تعني ان نصبح جسداً واحداً وفكراً واحداً وبين الإتحاد الذي يعني ان نتحد مع الأخر من ناحية سياسية او إجتماعية مع إحترام الأختلاف العقدي

كما انه لا يصح للمنهج ان يكون مبنياً على البراءة فقط لمخالفته لمنهج اهل البيت (عليهم السلام)، ولا يصح ان يكون الخطاب واحداً في البراءة بحيث اطرح العنواين امام كل الناس من غير دراسة الواقع من حولي.

المنهج الذي نقوم بإتباعه هو منهج الجمع بين الولاية والبراءة ومنهج الجمع بين مفهوم الوحدة ومفهوم البراءة. نحن لا بد ان نسعى الى الوحدة الإسلامية بمفهومها الصحيح ، فلا بد لنا ان نعمل دائماً على توحيد الصف لا ان نزيد الخلافات بيننا بل ان نحاول ان نجمع الكلمة ونوحد الصفوف ونعمل سوياً على ما نتفق عليه ونتحاور في الأمور التي نختلف عليها

وفي نفس الوقت لا يجوز لنا ان نتنازل عن إعتقادتنا ولا يجوز لنا ان نسمح بتضليل شبابنا بل لا بد من نشر مفهوم البراءة، لا لأننا ننطلق إنطلاقة عاطفية في مسألة الحب والكره وإنما لأن الله سبحانه اراد لنا ذلك قال تعالى { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجتنبوا الطاغوت

النقطة الرابعة: المنهجية في مواجهة المشككين

اعتقد من الجيد ان نركز على نقطة مهمة وهي انه لا يوجد من الشيعة من ينكر مظلومية الزهراء (عليها السلام)! هناك من يشكك في بعض تفاصيل المظلومية ولكن بشكل عام لا ينكر انها (عليها السلام) قد ظلمت وهذا بنفسه إدانة جماعية من قبل كل الشيعة على إختلاف مناهجهم لأصحاب السقيفة الذين ظلموا الصديقة الكبرى (عليها السلام

بعد تجربة في هذا المجال وصلت إلى قناعة مفادها ان المواجهة العنيفة  وطرح الأفكار دون دراسة الواقع من حولنا لا توصل إلى اي نتيجة إيجابية، وخصوصا اننا اذا ما جهرنا بالحق سن الأقربون علينا سيوفهم فنقع في فتنة بيننا تفرح الأعداء ولا توصلنا إلى الهدف

فلا بد من وضع خطة عمل لدارسة فكرية تدريجية تعمل على إستقطاب الأخر وتخولنا نشر عقائدنا بأسلوب حكيم ورزين. وهذا اسلوب القرأن، عندما ارسل الله سبحانه وتعالى موسى وهارون (عليهما السلام) إلى فرعون المشرك الذي ادعى الربوبية قال لهم { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا

فعندما اواجه اخي الشيعي في امور لا نتفق سوياً عليها لا بد ان اقول {له قولا لينا} ان اتكلم معه من القلب لأن ما يخرج من القلب يصل الى القلب {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} انا لا اريد ان اثبت لأخي الشيعي انه على خطأ ولا اريد ان اثبت انه خارج عن المذهب بل اريد ان اخذ بيده إلى الصراط المستقيم.

إذا كان هناك حساسية من اللعن فلا داعي للعن، هل هدفنا اللعن ام البراءة؟ ما هو الواجب؟  اللعن من مصاديق البراءة، فإذا استطعت ان اتفق مع اخي الشيعي وحتى غير الشيعي  من خلا طرح الأمور التاريخية والبحث في الأدلة دون شتم او لعن واستطعت ان اوصله إلى البراءة من اعداء الله او اوصله للإيمان بمظلومية الزهراء (عليها السلام) الا يكفي ذلك كمرحلة اولى في الخطة التدريجية؟

هذا المقصود من وضع دراسة فكرية تدريجية! وهكذا نفهم قول امير المؤمنين (عليه السلام) عندما يقول: ” أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون، وأمسكوا عما ينكرون” (بحار الأنوار ج:2 ص:77) الإمساك لا يعني ان لا نتكلم وان نترك كلياً ما ينكر الناس، وإنما المقصود هو دراسة الواقع والخروج بخطة تدريجية وبأساليب جديدة نستيطع من خلالها طرح افكارنا دون ان يؤدي الطرح الى اي محذور سواء على المستوى الفردي او المستوى الإجتماعي

ثبتنا الله وإياكم على ولايتهم والبراءة من اعدائهم

نامي فرحات العاملي


About shnami