banner

محاسبة النفس

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (الحشر:18

من الأمور المهمة التي ركز الإسلام عليها هي مسألة ” محاسبة النفس”  فالإنسان يعيش في هذه الحياة يقوم كل يوم بأفعال مختلفة وكل فعل له حكم معين في الشريعة الإسلامية، فإما انه واجب او مستحب او مباح او محرم او مكروه. لا يخلو عمل ما او حركة ما عن هذه الأحكام الخمسة، ولكل حكم اثره على النفس الإنسانية بحيث ان الإنسان لو فعل الواجب او المستحب او المباح لشعر بالإرتياح والقرب من الله سبحان وتعالى، ولو فعل المحرم او المكروه لشعر بالإنزعاج والإبتعاد عن الله عزوجل.

يمكن ان نخفي عيوبنا عن كل الناس ونظهر امامهم بصورة جميلة لكننا لا نستطيع ان نخفي عيوبنا عن انفسنا، نعم نحن نتجاهل هذه العيوب رغم معرفتنا بها او نقوم بتبريرها لأننا غير منفتحين على انفسنا.

الإسلام يريدنا ان ننفتح على انفسنا { ولتنظر نفس ما قدمت لغد} للنظر ماذا نفعل في حياتنا؟ اين انت؟ من انت؟ هل تعلم نفسك؟ اين تريد ان تكون وكيف تريد ان تكون؟ ماذا تفعل الان؟ ماذا فعلت في يومك هذا الذي مر؟ لا بد للإنسان المؤمن ان يسأل نفسه هذه الأسئلة كل يوم من ايام حياته.

يقول امير المؤمنين عليه السلام: “ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل خيراً استزاده وإن عمل شراً استغفر اللَّه ” (رسائل الشهيد الثاني ص:151

الرسالة الإسلامية جاءت كحركة تغيرية لتغير البلاد والشعوب ولكن هذه الحركة تبدأ من داخل الإنسان فمحورية العمل الإسلامي هي الإنسان الذي يمثل الأمة، ولكن لكي نصل إلى هذا المستوى لا بد ان نبدأ من الفرد في إستقطابه وتربيته وتهيئته ليصبح في مستوى يستطيع من خلاله ان يمثل الامة.

ومن الأمور المهمة في تهيئة الفرد المؤمن هو ان يكون صادقاً مع نفسه في ان يحاسب نفسه، يقول رسول الله صلى الله عليه واله: ” لا يكون العبد مؤمناً حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه والسيّد عبده” (البحار ج:70 ص:72

انت في عملك عندما تعود كل يوم ليلة تعد الأموال تسجل بعض الأمور تفكر ماذا فعلت في عملك؟ ما الشيء الجيد فتحاول ان تزيد منه وما الشيء السيئ فتحاول تحسينه في عملك وحتى تطمئن اكثر تذهب إلى اهل الخبرة من المحاسب الذي يهتم بأمورك المالية والاوراق الرسمية الى ما هنالك اليس كلنا نقوم بذلك؟

رغم انه لا يوجد اية قرأنية او حديث يحثنا على هذا الأمر بشكل مباشر ولكن نقوم بها لأهميتها لأننا نعرف اننا إذا لم نهتم بعملنا ستكون النتيجة خسارة العمل ونفشل في المشروع، فبسبب خوفنا من خسارة عملنا او بقائنا دون مال نجتهد في العمل وهذا امر جيد.

ولكن هل نحاسب انفسنا كما نحاسب وظائفنا؟ هل نعد الأمور التي قمنا بها كم نعد اموالنا؟ هل نفكر في الأمور الحسنة والسيئة التي قمنا بها كما نفكر في الوظيفة؟ نتيجة عدم الإهتمام بالوظيفة هو انك تخسرها مع ذلك يمكن ان تعوضها بوظيفة ثانية ولكن نتيجة عدم محاسبة انفسنا هي الإبتعاد عن خط اهل البيت عليهم السلام وإستحقاق العذاب يوم القيامة.

عن المولى امير المؤمنين عليه السلام : ” ليس منا (ليس من اتباعنا، ليس من الشيعة، ليس من المؤمنين) من لم يحاسب نفسه في كل يوم (ليس ان تحاسب نفسك مرة في الأسبوع بحيث تذهب كما يذهبون إلى الكنيسة ويقومون بالإعتراف داخل الغرفة امام الكاهن كلا في الإسلام كل يوم لا بد لك ان تحاسب نفسك بينك وبين الله) فإن عمل حسنا استزاد الله إن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه”  لأن محاسبة النفس تسبق التوبة بحيث ان الإنسان من خلال المحاسبة يصل إلى التوبة وايضاً محاسبة النفس تلحق بالتوبة بحيث ان الإنسان يستمر بعد توبته بمحاسبة نفسه لكي لا يقع في المحظور.

ومما اوصى النبي الأعظم صلى الله عليه واله ابا ذر رضوان الله عليه قال له: ” يا أبا ذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب (ابدء انت بمحاسبة نفسك يومياُ قبل ان تقف ليوم الحساب امام الخلائق)  فإنه أهون لحسابك غدا ( عندما تحاسب نفسك يومياً فهذا سيخفف من وقفة يوم الحساب لأن الإنسان عندما يحاسب نفسه يبتعد على المحرمات ويقترب من الواجبات والمستحبات)  وزن نفسك قبل أن توزن وتجهز للعرض الاكبر يوم لا تخفى على الله خافيه ( انت في هذه الدنيا تخفي عيوبك عن الناس ولكن الله لا يخفى عليه شيئ وسوف تسئل يوم القيامة فزن نفسك من خلال محاسبتها)  إلى أن قال: يا إبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من أين مطعمه ( هل هذا الطعام الذي تأكله حلال ام فيه شبهة؟) ومن أين مشربه  ومن اين ملبسه ( ما مصدر اموالك؟ هل انت متأكد انها حلال ام فيها شبهة؟ هل تطعم نفسك او اهلك بمال مشبوه)  أمن حلال أو من حرام يا أبا ذر من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين ادخلهُ النار (بحار الأنوار ج:74 ص:86

اذا الإنسان لم يحاسب نفسه يومياً ويتدبر كيف يضمن إستقامته خصوصا امام هذا الحياة بما فيها من مغريات ومن امور تبعد الإنسان عن الساحة الإلهية! بل عدم محاسبة النفس تجعل الإنسان غريباً عن نفسه.

كيف انجح في هذه الحياة إذا كنت غريباً عن نفسي؟ لا استطيع ان انجح! النجاح متوقف على معرفة نفسي، ما هي نقاط قوتي؟ ما هي نقاط ضعفي؟ كيف استمر في خط الطاعة؟ ما هو الهدف القريب المدى؟ ما هو الهدف البعيد المدى؟ ما هي وظيفتي امام الرسالة الإسلامية؟ اين اقف عند الأحداث التي تقع؟ ماذا يجب ان نفعل؟ كيف نواجه الموقف؟ وغيرها من الاسئلة التي تحتاج من  الإنسان ان يخصص فترة من كل يوم يجلس فيها مع نفسه فقط بحيث ينقطع عن العالم ( اغمض عينيك وفكر, إذهب إلى مكان جميل واجلس وتدبر

عن امير المؤمنين عليه السلام قال: ” ما أحق الإنسان ( يعني من حقوق الإنسان المؤمن على نفسه.. لأن النفس لها حقوق علينا)  أن تكون له ساعة لا يشغله شاغل ( يجلس ساعة من يومه لا يشغله شيئ لا تلفون يدق ولا ولد ينق … يجلس بعيداً عن كل شيئ) ، يحاسب فيها نفسه  ( هذه الساعة ينقطع فيها عن كل الشيئ ويبدء بمحاسبة نفسه) ، فينظر فيما اكتسب لها وعليها في ليلها ونهارها. (مستدرك الوسائل ج: 12 ص: 153

كيف احاسب نفسي؟ الجواب عند باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه واله، عند علي بن ابي طالب عليه السلام ولذكرهما ارفعوا الاصوات بالصلاة على محمد وال محمد.  قال عليه السلام: ”  إذا أصبح ثم أمسى ( يعني عندما تستيقظ وينتهي النهار وتعود إلى النوم) تحدث مع نفسك وقل لها: يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً ( نحن كل لحظة تمر لا تعود ابداً لذلك نحن نعيش في اللحظة)، واللَّه سائلك عنه ( الله سيسألك عن هذا اليوم يا ايتها النفس) فيما أفنيته (كيف قضيت هذ اليوم) فما الذي عملت فيه؟ أذكرت اللَّه أم حمدتيه؟ أقضيت حق أخ مؤمن؟ أنفّست عنه كربته؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظتيه بعد الموت في مخلّفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن…؟ فيذكر ما كان منه ( يعني الإنسان يذكر ماذا فعل انا فعلت كذا وكذا في نهاري)، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد اللَّه عزَّ وجلّ‏َ وكبّره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيراً استغفر اللَّه عزَّ وجلّ‏َ وعزم على ترك معاودته. ( البحار ج:70 ص:70

إذا من المهم ان نخصص فترة زمنية في كل يوم لمحاسبة انفسنا، ومن الأفضل ان تكون هذه الفترة قبل النوم عندما تضع رأسك على الوسادة اغمض عينيك وفكر فيما فعلت في يومك. لا تهرب من مواجهة نفسك … لا تبرر .. كن صادقاً من نفسك، لأنك عندما تصدق مع نفسك فإنك سوف تكون صادقاً مع ربك ومع الناس من حولك

عن الإمام الصادق عليه السلام: ” إذا أويت إلى فراشك فانظر ما سلكت في بطنك (ماذا اكلت اليوم؟ هل هو حلال ام حرام؟) وما كسبت في يومك ( الأموال التي حصلتها هل فعلاً كلها حلال؟ ام فيها مال مشبوه؟)، واذكر أنك ميت وأن لك معاداً” ( ولتكن اخر فكرة قبل النوم انك ميت وان الله سوف يسألك فهل انت مستعد لذلك الموقف ام لا؟)(ميزان الحكمة حديث:3844

الشيخ نامي فرحات العاملي


About shnami