banner

ثقافة الإختلاف في الدين والحياة

َلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( فاطر 27 -28

هذه الأيات المباركة تظهر لنا ان مسألة الإختلاف هي من الأمور الفطرية التي خلق الله الأشياء عليها فالثمار تختلف من ناحية اللون والطعم والجبال تختلف بالعلو واللون، وايضاً الإنسان يختلف عن الإنسان الأخر من ناحية اللون واللسان والشكل وغيرها من الأمور. ولذلك كانت هذه الإختلافات الفطرية من ايات الله عز اسمه قال تعالى { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ( الروم 22

هذه الإختلافات الفطرية لا محالة سوف تؤدي إلى إختلافات إكتسابية فمثلاً الإنسان الذي يعيش في الجبال والقرى يكون ذو طبيعة قاسية في الغالب ويكون قوي البنيان ليتمكن من العيش في المناخ الجبلي بعكس الإنسان الذي يعيش في المدينة، ايضاً من ناحية الفكر فإن الإختلافات الفطرية الموجودة في كل بيئة والخلفية التي بني عليها الشخص نتيجة ما توفر له سوف تؤدي لا محالة إلى إختلافات إكتسابية من ناحية الفكر

الإختلاف هو امرٌ طبيعي فلو شاء الله لخلق كل الناس دون اي إختلاف ولكن لحكمته لم يفعل قال تعالى {  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ( هود 119

هذا الإختلاف تشعر به منذ الصغر انت تحبو ووالديك يمشيان فتنظر إليهما بكل براءة وتفهم ان هناك إختلاف، ثم تنضج في مرحلة الشباب وتجد ان هناك إختلاف في طريقة التفكير بينك وبين اهلك او اصحابك او اخوتك، ثم تصبح رجلاً وتخرج إلى ميدان العمل فتجد ان كل إنسان هناك يختلف عنك في التفكير او الشكل او العرق او اللغة، والملفت انه رغم تلك الإختلافات نجد انها لا تؤثر في مسيرة الحياة ابداً

الأمر سواء في الأفكار الدينية فهناك إختلافات بين الأديان وحتى ضمن الدين الواحد، وواقعاً ما يميز الدين الإسلامي في زمن غيبة المعصوم عليه السلام هي مسألة تقبل الإختلافات، ففي زمن المعصوم نلتزم بكلامه لأنه ثبت عندنا ان كلام المعصوم هو كلام الله عزوجل { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ( النجم 3 -4) اما في زمن غيبته فباب الإجتهاد مفتوحٌ امام العلماء

فلكل متخصص الحق في البحث والتحقيق في ترتيب المباني وفهم النصوص بالإعتماد على الأدلة وعندها من الطبيعي ان يكون هناك إختلاف في الأراء. فلو ان الأدلة التي نعتمد عليها ( من قرأن وسنة) واضحة لما كان هناك إختلاف ولكن لا يختلف إثنان أن القرأن قطعي الصدور ولكن ظني الدلالة والروايات ظنية الصدور والدلالة

نحن نؤمن ان القرأن هو كلام الله لا تحريف فيه ولكن كيف نفهم معاني القرأن؟ والأحاديث ايضاً مضمونها يحتاج إلى فهم. العالم الفلاني يأتي ويبحث في الأيات والروايات ويصل من خلال بحثه إلى فكرة معينة فيأتي عالم اخر ويبحث في نفس الأيات والروايات ويصل إلى فكرة مختلفة

مثلاً في الامور الفقهية يأتي المجتهد الفلاني ويبحث في الأدلة حول مسألة رؤية الهلال فيصل إلى ان الرؤية لا بد ان تتحق بالعين المجردة، مجتهد اخر يأتي ويبحث في نفس الأدلة ويصل إلى ان الرؤية يمكن ان تتحقق بالعين المسلحة ومجتهد ثالث يصل إلى صحة الإعتماد على الحسابات الفلكية الدقيقة

قد يأتي شخص ويقول ايها العلماء انتم تبحثون في نفس الأدلة فلماذا تختلفون في الأراء؟ سيقول له العلماء نعم صحيح نحن نتبع نفس الأدلة ولكن هذه الأدلة تحتاج إلى فهم حتى نصل من خلالها إلى نتيجة، فكل عالم يصل إلى رأي مختلف لإختلاف فهمه وهذه من الأمور الطبيعية

العالم الأول لا يستطيع ان يأتي ويجبر العالم الثاني على فهمه للمسألة، نعم يمكن ان يكون هناك حوار بينهما حيث يقدم كل منهما ادلته، قد يتفقا على رأي واحد وقد لا يتفقا على نفس الرأي فتبقى مسألة الإختلاف في الرأي قائمة بكل إحترام

نعم إذا لم يقدم العالم دليلاً على رأيه يصبح هناك إشكالاً! فمثلاً ان يقول عن فلان في التاريخ انه مؤمن او منافق دون ان يقدم الادلة هذا ليس كافياً، العالم يطرح ادلته ويفسرها ليصل إلى نتيجة ويضع هذه النتيجة على طاولة البحث

والعالم الحقيقي هو من يحترم مسألة الإختلاف في الأراء، يقول نعم انا لا اتفق مع العالم الفلاني في رأيه لأنه بيني وبين الله بحثي اوصلني إلى نتيجة مختلفة ولكن يبقى الإحترام بيني وبين العالم الثاني

العالم الحقيقي إذا إختلف مع عالم اخر لا يقوم بتسقيطه والنيل منه او السخرية لأن هذا ينافي الأخلاق الإسلامية، نحن من المتفرض ان نتخلق بأخلاق الإسلام الله عزوجل يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الحجرات:11

وايضاً الإنسان المؤمن يحترم مسألة الإختلاف بين العلماء ويتبع من يقتنع بكلامه دون تسقيط الأخر فيحترم جميع العلماء

العالم الحقيقي هو الذي يفهم الناس ان مسألة الإختلاف في الأراء من الأمور الطبيعية وليس من يشتم ومن يعطي فتوى بقتل الأخر لأنه إختلف معه في الرأي، لا بد ان نلتفت اننا سنحاسب على كل كلمة تصدر منا يوم القيامة. فقط لأني اختلف معك في فكرة تعطي فتوى بالقتل ما الفرق بينك وبين اصحاب الحركات التكفيرية؟ وما هذا الإرهاب الفكري الذي تمارسه؟

اسألكم بالله كيف تثقون بهكذا علماء يشتمون ويسقطون ويكذبون ويصدرون فتاوى بالقتل بكل سهولة ودون مراجعة الموضوع؟ اتبعوا العلماء العاملين الذين يرشدوكم إلى إحترام الإختلاف وعدم تسقيط الأخر

احبتي الإسلام ليس هكذا ومذهب اهل البيت عليهم السلام ليس هكذا لا يوجد إرهاب فكري بأنه إما ان تقول ما نقول او نقتلك  فإن مسألة الإختلاف في الأراء قد اغنت الطائفة الشيعية من الناحية الفقهية والعقائدية والتاريخية وغيرها بحيث لا تجد عند الاخرين ما تجده عند الفرقة الناجية من ابحاث عميقة ودقيقة ومختلفة  في الفقه والأصول والعقائد والتاريخ وغيرها من الأمور هذه كلها كنوز للأجيال القادمة

ولذك ورد عن الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه واله انه قال ” إختلاف امتي رحمة” (علل الشرائع ص85، ومعاني الاخبار ص157

 فلماذا حولتم الرحمة إلى نقمة ولماذا حولتم الإختلاف إلى خلاف؟ إن البعض يعمل لمحاولة  إبعاد رحمة الإختلاف عنا ونقول له انت لن تبعد هذه الرحمة إلا عن قلبك! اما نحن فأتباع الرحمن الرحيم واتباع النبي الذي ارسل رحمة للعالمين وسنتمسك برحمة الإختلاف، ونحترم الإختلاف الذي بيننا، وإن اردت ان توصل الامر إلى خلاف وتستمر في تحركاتك وفي اساليب الفتنة والتحريض فإني اقول لك {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة:28

الشيخ نامي فرحات العاملي


About shnami